عبد الكريم الخطيب
931
التفسير القرآنى للقرآن
وفي قوله تعالى : « عاصِفَةً » إشارة إلى قوة انطلاق هذه الريح ، وأنها في قوة العاصفة في اندفاعها ، ولكنها في رقّة النسيم ولينه في سيرها ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في آية أخرى : « تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ » ( 36 : ص ) فهي عاصفة ورخاء معا ! ! هذا كلام اللّه ! ! - وفي قوله تعالى : « إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها » إشارة إلى مسبح هذه الريح ومسراها ، وأنها لا تتجاوز حدود الأرض المقدسة ، ولا تعمل خارج سمائها . . وهذا ما ينبغي أن يفهم عليه قوله تعالى : « وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ » ( 12 : سبأ ) فقد تضاربت أقوال المفسّرين في هذه الريح ، وفي امتداد ملك سليمان بها ، وأنها كانت تقطع به ملكه في شهر ذاهبة ، وشهر راجعة . . وهذا ما لا يتسع له ملك سليمان بحال أبدا . . والمعنى الذي تفهم عليه هذه الآية الكريمة ، هو المعنى الذي يشعّ من قوله تعالى : « تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها » وهو أنها في « غُدُوُّها » أي مسراها في غدوة النهار ، تقطع من المسافة ما يقطعه السائر على قدميه ، أو على دابته في شهر . . كذلك « رَواحُها » وهو رجوعها آخر النهار . . يقدّر بمسيرة شهر للراجل أو الراكب . . والغدوة قد تكون ساعة أو ساعتين ، أو ثلاثا ، أو أكثر ، وكذلك الرّوحة . قوله تعالى : « وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ » . أي وسخرنا لسليمان « مِنَ الشَّياطِينِ » أي من بعض الشياطين لا كلّهم ،